السيد محمد الصدر
465
تاريخ الغيبة الصغرى
« وحق الإنجيل هذا جيّد لنا ولهم - يعني الأوروبيين والصقالبة - وتصبح البلاد نصرانية » « 1 » . وقال أحد زعمائهم : « إذا عزمتم على جهاد المسلمين فأفضل ذلك فتح بيت المقدس ، تخلصونه من أيديهم ويكون لكم الفخر » « 2 » . وكان ذلك عام 491 ، وقد استطاعوا أن يحققوا هدفهم هذا في العام المقبل . فقد احتلوا البيت المقدس بعد سلسلة من المذابح فيها وفي كل مدينة إسلامية مروا بها في طريقهم . حيث لم يكن مرادهم الفتح فقط ، بل التشفي من المسلمين ، وإبادتهم والانتقام من فتوحهم المظفرة . ففي بلدة البيت المقدس نفسها كما يقول لنا التاريخ « 3 » : « ركب الناس السيف ولبث الفرنج في البلدة أسبوعا يقتلون فيه المسلمين . . . وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم ، ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف . وأخذوا من عند الصخرة نيفا وأربعين قنديلا من الفضة وزن كل قنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم . وأخذوا تنورا من فضة وزنه أربعون رطلا بالشامي . وأخذوا من القناديل الصغار مائة وخمسين قنديلا نقرة ، ومن الذهب نيفا وعشرين قنديلا ، وغنموا منه ما لا يقع عليه الاحصاء » . وبقي البيت المقدس تحت الاحتلال المباشر للصليبيين ما يقرب من مائة عام ، توسعوا من خلالها إلى دمشق وبيروت وعكا ويافا وصيدا وصور وغيرها من المدن المسلمة . حتى سلط اللّه تعالى عليهم جماعة من عباده الشجعان بقيادة صلاح الدين الأيوبي . فأذاقوهم طعم الفرار والاندحار ، ونصر اللّه تعالى دينه وأعلى كلمته ، بعد دهر من المحنة والتمحيص . وقد بدأ صلاح الدين بالأطراف ، فاسترجعها منهم ، في حروب قاسية ، حتى استطاع فتح البيت المقدس عام 583 « 4 » . بالصلح ، بعد حصار طويل ومناوشات طويلة ، أظهر فيها كل من المسلمين والإفرنج غاية الاستبسال والصمود .
--> ( 1 ) الكامل ج 8 ص 185 . ( 2 ) المصدر والصفحة وانظر الفتوحات الاسلامية ج 1 ص 500 . ( 3 ) الكامل ج 8 ص 189 والفتوحات ج 1 ص 504 . ( 4 ) الكامل ج 9 ص 175 وص 182 والفتوحات ج 1 ص 520 .